fbpx

دليلك للتعرف على الحساسية الدوائية

1K

قال الشاعر أبو نواس: “وداوني بالتي كانت هي الداء” في إشارة للتداوي بما يخشَى منه المضرة. فكيف هي الحال إذا كان الضرر فيما يُنتظر منه الشفاء؟ فمع ما للأدوية من أهمية لا يمكن التقليل منها في مكافحة الأمراض والتقليل من تأثيراتها الضارة وتحسين الحالة الصحية، تأتي احتمالية حدوث ردود فعل تحسسية تجاه بعض الأدوية عند بعض الأشخاص. تلك هي الحساسية الدوائية.

تعرف الحساسية الدوائية (Drug Allergy) بأنها ردة فعل تحسسية تجاه أحد الأدوية، إذ يتفاعل الجهاز المناعي مع الدواء -عن طريق الخطأ- على نحو غير منضبط وغير متوقع. يؤدي هذا التفاعل إلى ظهور مجموعة من الأعراض، من أشهرها: الطفح الجلدي والحمى وصعوبة التنفس.

والحساسية الدوائية الحقيقية ليست شائعة، إذ إن أقل من 5 – 10% من التفاعلات الدوائية واسعة الانتشار تكون ناتجة عن حساسية حقيقية للأدوية. أمّا النسبة الباقية فتنتج عن حالات أخرى عادةً ما يخلط الكثيرون بينها وبين الحساسية، ومن تلك الحالات:

  • عدم تحمل الدواء (Drug Intolerance): التي تعد حالة أخف وطأة، ولا ترتبط بالجهاز المناعي، ولا تعتمد على التعرض المسبق للدواء.
  • سُمّية الدواء (Drug Toxicity): الحالة التي تنتج عن تناول جرعة زائدة من الدواء.
  • الآثار الجانبية للدواء (Drug Side Effects): التي تعرف بمجموعة من ردود الفعل المحتمل حدوثها نتيجة تناول الدواء، وتكون معروفة ومحددة لكل نوع من الأدوية.

أعراض الحساسية الدوائية

أعراض الحساسية الدوائية

يوجد نوعان رئيسان من ردود الفعل التحسسية للأدوية؛ تفاعلات الحساسية الفورية والمتأخرة. تحدث التفاعلات الدوائية الفورية إثر دخول الدواء المسبب للحساسية لجسم المُصاب بها لأول مرة، واستحثاث الجهاز المناعي لإنتاج الجلوبين المناعي (Immunoglobulin E – IgE). 

وعند تناول الدواء للمرة الثانية، تحفّز تلك البروتينات المناعية إفراز العديد من المواد الكيميائية، وعلى رأسها مادة الهيستامين؛ في محاولة للتخلص من الدواء ومعادلته. وفي أثناء ردة الفعل المتأخرة، تنضم العديد من أنواع الخلايا المناعية الأخرى لمحاربة هذا الدواء.

ومن أعراض الحساسية الدوائية:

  • القشعريرة.
  • الطفح الجلدي.
  • الحكة.
  • الاحتقان.
  • ارتفاع درجة الحرارة (الحمى).
  • تورم الوجه.

وفي التفاعلات الأكثر خطورة (فرط الحساسية)، قد يحدث ما يلي:

  • صعوبة في التنفس.
  • الأزيز (صفير عند التنفس).
  • سيلان الأنف.
  • الدوخة.
  • الإغماء.
  • الغثيان.
  • الإسهال.
  • انخفاض ضغط الدم.

أسباب الحساسية الدوائية

في حالة وجود حساسية تجاه أحد الأدوية، يتعرف الجهاز المناعي على هذا الدواء -بشكل خاطئ- على أنه مادة غريبة تهدد الجسم، فيبدأ في إنتاج الأجسام المضادة لمهاجمته. وتؤدي هذه الاستجابة المناعية إلى ظهور الأعراض المميزة للحساسية. وقد تحدث تلك الاستجابة في المرة الأولى لتناول الدواء، وقد تحدث لاحقًا بعد تناوله عدة مرات دون أدنى مشكلة. 

ويرتبط ظهور الحساسية الدوائية بعدة عوامل، من أهمها:

  • طبيعة الدواء (التركيبة الكيميائية): لوحظ أن بعض الأدوية تسبب الحساسية أكثر من مثيلاتها في نفس الفئة الدوائية. فمثلًا، يسبب البنسلين وعقاقير السلفا الحساسية أكثر من باقي المضادات الحيوية. وتشير الدراسات إلى أن الحساسية الناتجة عن البنسلين وعقاقير السلفا والأسبرين تمثل أكثر من 80% من التفاعلات التحسسية تجاه الأدوية. فالأدوية ذات التركيب الكيميائي المختلف تستحث ردود فعل مختلفة يتوقف عليها ظهور الأعراض وتباينها.
  • درجة التعرض للدواء (حجم الجرعات ومدى تقاربها): إذ إن تناول المريض الدواء في أوقات متقاربة يزيد من احتمالية حدوث ردة الفعل التحسسية. وتزيد أيضًا تلك الاحتمالية حال تناول جرعات عالية من الدواء، أو في حالة حدوث ردة فعل مشابهة في الماضي.
  • طريقة تناول الدواء: إذ تزيد احتمالية حدوث ردة الفعل التحسسية إذا تلقى المريض الدواء عن طريق الحقن الوريدي. وعامةً، يعد تناول الدواء عن طريق الفم أكثر أمانًا -بوجه عام- من أي نوع من الحقن.

ومن أشهر الأدوية التي تسبب الحساسية:

  • المضادات الحيوية، مثل: البنسلين (Penicillin)، وعقاقير السلفا (Sulfa Drugs).
  • التيتراسايكلين (Tetracycline).
  • الكودين (Codeine).
  • الفينيتوين (Phenytoin).
  • مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs).
  • أدوية العلاج الكيميائي (Chemotherapy Drugs).
  • مضادات النوبات (Anti-seizure Drugs)، مثل: الكاربامزيبين (Carbamazepine).

تشخيص الحساسية الدوائية

تشخيص الحساسية الدوائية

تشخّص الحساسية الدوائية تشخيصًا سريريًا بناءً على التاريخ المرضي، والأعراض التي يعانيها المريض. وفي كثير من الحالات، قد تحدث ردة الفعل التحسسية في أثناء تناول المريض العديد من الأدوية في نفس الوقت. وما لم يتمكن الطبيب المُختص من تحديد نوع الدواء التي تعاني الحساسية تجاهه، قد يوصِي بإيقاف الأدوية مؤقتًا لحين الوصول إلى نتيجة مؤكدة في هذا الشأن.

وهنا يلجأ الطبيب إلى إجراء مجموعة من الفحوص لتأكيد التشخيص، مثل:

  • اختبارات الدم: إذ يمكن قياس كمية الأجسام المضادة للجلوبين المناعي E في الدم (Total IgE) لتأكيد وجود الحساسية. ويتوفر أيضًا قياس نسبة جزء البروتين الموجه لمجموعة محددة من الأدوية (Specific IgE). ومن أشهر تلك الفحوص اختبار الأجسام المضادة للبنسلين.
  • اختبار الجِلد (Skin Prick Test): في هذا الاختبار، تحقن كميات صغيرة من الأدوية المشتبه بها -بطريقة معينة- تحت الجلد أو بِحكّه، وتُراقَب ردة الفعل. فإذا كانت لديك حساسية تجاه أحد الأدوية، سيظهر نتوء مرتفع (طفح) على الجلد في مكان الحقن أو الحك.
  • اختبار تحدي الدواء (Drug Challenge Test): وفيه سيعطيك الطبيب كميات متزايدة من الدواء، وسيراقب ردة الفعل تجاهها في كل مرة. 

علاج الحساسية الدوائية

علاج الحساسية الدوائية

يهدف نهج علاج الحساسية الدوائية ابتداءً إلى تخفيف الأعراض. ويعد سحب الدواء أو التوقف عن استخدامه الخطوة الأولى الواجب اتخاذها حال ظهور أعراض الحساسية بعد تناول دواء معين.

والخطوة التي تلي ذلك هي استخدام بعض الأدوية للسيطرة على الأعراض. فعلى سبيل المثال، يمكن لمضادات الهيستامين -وأحيانًا الكورتيكوستيرويدات- تقليل الحكة والطفح الجلدي، والسيطرة عليهما. وفي حالة وجود سعال واحتقان، قد يصف لك الطبيب أحد موسعات الشعب الهوائية؛ وذلك لتوسيع مجرى الهواء.

أمّا في حالة فرط الحساسية (Anaphylaxis)، فقد يتطلب الأمر الحقن مباشرة بالإيبينفرين (Epinephrine)، والحاجة الفورية إلى رعاية طبية طارئة، حتى إذا توفقت الأعراض بعد حقن الإيبينفرين.

وتجرى حاليًا العديد من الدراسات لتطوير تقنية تعرف باسم إزالة التحسس (Desensitization)، وتطبيقها في علاج الحساسية الدوائية. ويتضمن هذا النهج العلاجي إعطاء المصابين بالحساسية الدوائية جرعات صغيرة جدًا من البنسلين أو الأدوية الأخرى، وزيادة الجرعات تدريجيًا على فترات زمنية مُعدة مسبقًا؛ حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعامل مع الدواء على نحو طبيعي.

ويؤدي هذا -غالبًا- إلى زيادة قدرة الشخص المُصاب على تحمل الدواء. لكن يمكن لذلك النهج العلاجي أن يكون خطيرًا للغاية. لذا، لا يوصى بالخضوع لهذا الإجراء إلا إذا لم يكن هناك أدوية أخرى يمكنها علاج حالتك. ولا يجب أن يجرى إلا عن طريق المختصين، وتحت إشراف طبي دقيق.

الحساسية الدوائية عند الأطفال

إذا كان أحد أطفالك يعاني الحساسية لأحد أنواع الأدوية، فعليك مراقبة الأدوية التي يتناولها. وعليك أيضُا الحفاظ على مواعيد الطبيب المختص بمتابعة حالته، وإبقاءه مطلعًا على المستجدات أولًا بأول. وإليك بعض الإرشادات عن كيفية رعاية طفلك إذا كان يعاني الحساسية تجاه أحد الأدوية:

  • أهم ما يمكن أن يوصَى به عند التعامل مع الحساسية الدوائية عند الأطفال هو توعية الطفل بحالته، وإمداده بالقدر الكافي من المعلومات عنها، وعن كيفية التعامل معها، والحرص على تقديم تلك المعلومات في قالب يناسب سن الطفل.
  •  قد يوصي الطبيب بحمل جرعة من الإيبينفرين معك دائمًا؛ لاستخدامها في حالة إذا ما أصيب طفلك بردة فعل شديدة. فربما عليك أن تتعلم كيفية إعطاء الحقنة لطفلك، أو تعلّمه كيف يحقنها بنفسه إذا كان كبيرًا بالقدر الكافي ليفعل ذلك.
  • عند استخدام الأدوية المضادة للحساسية، لا بد من تطبيق توجيهات الطبيب بالضبط. فعليك الاستفسار -من الطبيب- عن كل ما تود معرفته، وعليك أيضًا المسارعة في اللجوء إليه إذا عانى طفلك أي مشكله مع أيًا من أدويته.
  • تجنب إعطاء طفلك أدوية تشابه تلك التي يعاني الحساسية تجاهها. واسأل طبيبك أو الصيدلي إذا كنت تعتقد أن طفلك قد يأخذ دواءً مماثلًا. وقد يساعدك في ذلك قراءة نشرات الأدوية بعناية، واتباع التعليمات الموصى بها.
  • إذا عانى طفلك أي مشكلة صحية أخرى، تأكد من أن يكون الطبيب المعالج على دراية تامة بحالته، والحساسية الدوائية التي يعانيها.
  • عليك الذهاب إلى أقرب مستشفى إذا عانى طفلك ردة فعل تحسسية شديدة، حتى إذا شعر بتحسن بعد حقن الإيبينفرين؛ إذ يمكن للأعراض أن تعاود الظهور مرة أخرى بعد الحقن.

وفي الختام، يَحسُن التنبيه على أن الحساسية الدوائية هي ردة فعل تحسسية تجاه دواء ما؛ لاحتوائه على أحد المركبات الكيميائية التي تثير تلك الردة. ويمكن أن تتفاوت أعراضها من حكة خفيفة إلى حالات قد تهدد الحياة. فمن الضروري معرفة ما إذا كنت تعاني الحساسية تجاه أحد الأدوية، وكيف تتعامل معها. وينبغي أيضًا التمييز بين الأعراض المتداخلة المرتبطة بتناول الأدوية؛ إذ لا تشير هذه الأعراض -دائمًا- إلى حساسية دوائية حقيقية. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Close
طيبات © 2020 جميع الحقوق محفوظة.
Close